السيد كمال الحيدري

64

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

والغائب بالشاهد ، فيتأكّد الوقوف على ماهيته ، ويصير الحسّ مطابقاً للعقل ، وذلك في نهاية الإيضاح . ألا ترى أنّ الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرّداً عن ضرب مثل لم يتأكّد وقوعه في القلب كما يتأكّد وقوعه إذا مثّل بالنور ، وإذا زهّد في الكفر بمجرّد الذكر لم يتأكّد قبحه في العقول كما يتأكّد إذا مثّل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسيج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجرّداً ، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه ضرب الأمثال » « 1 » . وهذا هو المشهور في كلمات المفسّرين ، ونصطلح عليه بالمثال العرْضيّ تمييزاً له عن النحو السابق . نموذج تطبيقي للمثال العرْضي حفل القرآن الكريم بالعديد من الاستدلالات على إثبات توحيد الربوبية والتدبير ، ذلك لأنّ النزاع بين الوثنيين والموحِّدين لم يكن في وحدة الإله وكثرته بمعنى الواجب الوجود الموجود لذاته الموجِد لغيره ، لعدم وقوع النزاع في أنّه واحد لا شريك له ، وإنّما النزاع في الإله بمعنى الربّ المعبود ، فالوثنيّون على أنّ تدبير العالم على طبقات أجزائه مفوّضة إلى موجودات شريفة مقرّبين عند الله ينبغي أن يُعبدوا حتّى يشفعوا لعبادهم عند الله ويقرّبوهم إليه زُلفى ، كربّ السماء وربّ الأرض وربّ الإنسان وهكذا ، وهم آلهة مَن دونهم ، والله سبحانه إله الآلهة وخالق الكلّ كما يحكيه عنهم قوله سبحانه : وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ مَنْ

--> ( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب : ج 2 ص 66 .